الأسطول.. بين الصاحي والمسطول

رغم كل ما حدث وما يحدث، ما زال بعضنا يتساءل عن “أسطول الحرية”، وما هو هذا الأسطول أصلا، وأي حرية يدعو إليها! فبينما جاء وقت الضربة قاصما، حاشدا التأييد العالمي لفك الحصار عن غزة بعد أن أوصلتنا حالة الإنهاك من الشعارات والتنديدات الدرك الأسفل من اليأس، يأتي موعد مونديال 2010 بعد عدة أيام من الآن، ليرسم تساؤلا غبيا على جباه العرب الذين تهافتوا إلى الاشتراك بباقات القنوات التي ستبث المباريات أو السعي لفك تشفيرها: هل ستنطلي علينا الحيلة إياها مرة بعد مرة! وهل ستغيبنا حالة “السـَّطل” من جديد ونحن نتهافت على التشجيع ورفع أعلام دول كالبرازيل وألمانيا وإيطاليا وغيرها، والتعصب لها أكثر من أهلها، ونهتف للأهداف ونشجب حالات الإنذار والطرد لنصل إلى تقاذف الشتائم وأحيانا الكراسي في المقاهي والأماكن العامة، وننسى أننا خرجنا قبل أيام فقط منددين بما حاق بأسطول الحرية، ومطالبين بكسر الحصار عن غزة الأبية؟!
أي صراع داخلي ينتظرنا بين “حريتنا” في أن ننال “حريتنا”، وفي “حريتنا” في أن ننال حصتنا من المتعة دون حاجة إلى تسييس الرياضة وما جرته علينا من تغييب وتهميش.

حصار غزة أوشك أن يكمل أربع سنوات من المهانة، ونحن كالمساطيل، نهذي بالقضية حينا، وبالدعوة إلى نتف ريش حمامة السلام ريشة ريشة (نشجب/ نستنكر/ نشجب/ نستنكر)، و عن الساحة إلى أن هب أسطول الحرية ليوقظنا من رقادنا على حلم “كاروهات”.. فلا هو وردي، ولا هو رمادي، ورغم أن هذا الأسطول لم يكن الأول، إلا أنه الأول الذي يأتي مدفوعا بثقل سياسي متمثل في تركيا، ويتزامن مع حركة “غبية” لـ”إسرائيل” بقرصنتها وقتلها لتسع ناشطين بالإضافة إلى إصابة 48 آخرين. ربما ظن “أبناء العم” بأن اقتحام الأسطول – متله متل اللي قبله – لن يشكل فرقا، فدم الفلسطينيين مهدر من إخوانهم، فكيف من “الإسرائيليين” وهم أولى بسفك دمنا من غيرهم! وكان الأمر في الوقت نفسه حساب لبسط القوة والسيادة، فأن تتوعد تركيا في السابق بأنها ستحمي أساطيلها بقطعها العسكرية أمر، وأن تنفذ ما تتوعد به أمر آخر. ونحن في كل الأحوال على مقعد المتفرجين، نراقب الحدث ونرى ماذا ستفعل لنا “ماما” تركيا..، لنردد وراءها: “تركيا.. زمانها جايه.. جايه بعد شوية.. جايبه سفن وسلاح”!
أما من يقرأ تعليقات الساسة والحكام، فيصيبه الإحباط من هول ما يحيط بنا من سكر ونوم وسطلان، فبين من يبدي “استياءه”، وبين من يعرب عن “قلقه”، وبين من “يفاجأ” برد الفعل “العنيف”.. وإن تجرأ نعته بالـ”بربري” - والبرابرة المساكين لا يدرون كيف يخرجون أنفسهم من هكذا تشبيه مع مجرمين وقتلة وسفاحين لم يصلوا هم إلى ربع ما فعلوه بنا!! لننتهي بأن نقرأ تعليق الـ”بوكيمون” بانكي مون – الأمين العام للأمم المتحدة – الذي يقول فيه: “لو استجابت الحكومة “الإسرائيلية” للنداءات الدولية ولدعوتي الملحة والقوية والمتواصلة إلى رفع الحصار عن غزة، لما حدث هذا”.ضع ألف خط تحت “لو”، فالبوكيمون ليس مؤمنا، ليحوقل ونرد ونقول له: يا رجل.. “لو” تفتح عمل الشيطان! والبوكيمون لا يرى في “إسرائيل” من الأساس شيطانا ليتجنب ذكر “لو” في تصريحه، بل يرى في إيران وسوريا ولبنان وتركيا وأي دولة عربية هذا الشيطان، لأن ملاكه الحارس “إسرائيل” لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون شيطانا، وهو ما يذكرني برواية “سبعة” لغازي القصيبي، وما انتهت إليها البطلة من تنفيذ كل طلبات “أولئك” الذين أوصلوها إلى منصبها إياه، من خلف الستار.
ربما كان أسطول الحرية فرصة المساطيل الأخيرة ليفيقوا، وربما هو عود القصب الذي غرز في “قفا” الجحش الواقف يلتهم ما يجود به أسياده ويجتر الزمن الجميل حين لم يكن مربوطا إلى الساقية، لعله يرفس رفسته، وينطلق كاسرا نيره، باحثا عن أرضه التي سلبوها منه، ووسموه بالخزي، وأطعموه فضلات أرض أنهكها القهر.
صورة لأسطول الحرية قبل الهجوم- موقع الجزيرة، والكاريكاتير لعامر الزعبي- موقع القضية الفلسطينية.
|